الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

125

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

تذكرون " ( 1 ) . ويضيف القرآن في الآية التالية مستنتجا مما تقدم من الأبحاث التوحيدية قائلا : ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين . والتعبير ب‍ " الفرار " هنا تعبير لطيف وبليغ ، لأن الفرار يطلق في ما إذا واجه الإنسان موجودا أو حادثا مخيفا من جهة ، وهو من جهة أخرى يعرف مكانا يلتجئ إليه فيسرع من مكان المواجهة إلى ذلك المكان ويلتجئ إلى نقطة الأمن والأمان . . فالآية تقول : فروا من عقيدة الشرك الموحشة وعبادة الأصنام إلى التوحيد الخالص الذي هو منطقة الأمن والأمان الواقعي . ففروا من عذاب الله وتوجهوا نحو رحمته ! فروا من عصيانه وعناده وتوسلوا بالتوبة إليه . والخلاصة : فروا من السيئات والقبائح وعدم الإيمان وظلمة الجهل والعذاب الدائم والتجأوا إلى رحمة الحق وسعادته الأبدية . ولمزيد التأكيد ، يستند القرآن إلى وحدانية العبادة لله الأحد فيقول : ولا تجعلوا مع الله إلها آخر . ويحتمل أن الآية السابقة - تدعو إلى أصل الإيمان بالله ! وهذه الآية تدعو إلى وحدانية ذاته المقدسة فيكون تكرار جملة : " إني لكم منه نذير مبين " في المورد الأول على أنه إنذار على ترك الإيمان بالله ، وفي المورد الآخر إنذار على الشرك وعبادة الأصنام ، وهكذا فإن كل جملة وإن تكررت تشير إلى موضوع مستقل ! وجاء في بعض الروايات عن الإمام الصادق أن المراد من قوله : ففروا إلى الله هو الحج وزيارة بيت الله ( 2 ) وواضح أن المراد هنا ذكر مصداق واحد من المصاديق الواضحة للفرار إلى الله ، لأن الحج يعرف الإنسان حقيقة التوحيد

--> 1 - توحيد الصدوق طبقا لما ورد في نور الثقلين ، ج 5 ، ص 130 . 2 - نقل في تفسير نور الثقلين في هذا الصدد بضعة أحاديث عن الإمامين الباقر والصادق الجزء الخامس ص 130 - 131 .